...

تاريخ الولايات المتحدة (1): ما قبل اكتشاف أمريكا

7 مشاهدة 7 دقيقة قراءة

لكي نفهم قصة اكتشاف أمريكا، لا يمكننا أن نبدأ من لحظة وصول كريستوفر كولومبوس إلى شواطئها. علينا أن نعود بالزمن إلى الوراء، إلى النصف الثاني من القرن الخامس عشر، تلك الفترة المحورية بين عامي 1450 و1500 التي شهدت أحداثاً غيرت وجه العالم، ولا تزال أصداؤها تتردد في حياتنا حتى اليوم. إن حكاية اكتشاف أمريكا ليست مجرد قصة رحلة بحرية، بل هي النتيجة الحتمية لعاصفة هوجاء من الصراعات السياسية والدينية والاقتصادية التي كانت تهز العالم المعروف آنذاك.

خريطة القوى العالمية: لمحة عن عالم القرن الخامس عشر

في ذلك الزمن، كان العالم المعروف يقتصر على أوروبا وآسيا وأجزاء واسعة من أفريقيا. كانت هذه القارات مسرحاً تتنافس فيه قوى كبرى، لكل منها طموحاتها وتحدياتها الخاصة التي رسمت ملامح ذلك العصر.

أوروبا: كانت أوروبا الكاثوليكية مقسمة بين عدة قوى. في قلبها، كانت الإمبراطورية الرومانية المقدسة تفرض سيطرتها على النمسا وألمانيا، بينما كانت فرنسا وإنجلترا دولتين قويتين. وفي إيطاليا، برزت دولتان تجاريتان صغيرتان ولكنهما ثريتان هما البندقية وجنوة. أما في شبه الجزيرة الأيبيرية، فكانت هناك مملكتان مسيحيتان: البرتغال، واتحاد مملكتي أراغون وقشتالة الذي سيشكل لاحقاً ما يعرف بإسبانيا. وفي شرق القارة، كانت القوى الأرثوذكسية متمثلة في روسيا، التي كانت لا تزال تكافح لنيل استقلالها من المغول، والدولة البيزنطية العريقة التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة في القسطنطينية تحت ضغط العثمانيين.

العالم الإسلامي: في المشرق العربي، كانت هناك قوتان رئيسيتان. الأولى هي دولة المماليك، التي حكمت مصر والشام والحجاز، ورغم قوتها الراسخة، إلا أنها كانت دولة هرمة لا تطمح للتوسع. وبجوارها، كانت الدولة العثمانية الفتية في الأناضول، والتي كانت تتسم بشهية لا حدود لها للغزو، وتركّز كل جهودها على إسقاط القسطنطينية. أما في المغرب العربي، فكانت الدولة المرينية في حالة تدهور، بينما كانت مملكة غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس، تخوض صراع البقاء الأخير في وجه مملكتي أراغون وقشتالة.

آسيا: في أقصى الشرق، كانت الصين منعزلة عن أغلب صراعات العالم، بينما كانت الهند مقسمة إلى دويلات صغيرة، أغلبها تحت حكم إسلامي. أما آسيا الوسطى، فكانت تحت سيطرة بقايا الدول التي نشأت بعد تفكك إمبراطورية المغول العظيمة.

صراع الضدين: الدين والتجارة بين الشرق والغرب

كان هذا العالم، المليء بالقوى المتنوعة، محكوماً بصراعين رئيسيين بين أوروبا المسيحية والشرق الإسلامي: صراع سياسي ديني، وصراع اقتصادي محتدم.

الصراع الديني والسياسي: رغم انتهاء الحروب الصليبية الكبرى رسمياً عام 1291 بعد أن نجح المماليك في طرد الصليبيين من آخر معاقلهم في عكا، فإن الصراع لم ينتهِ. بل انتقل من قلب العالم الإسلامي إلى أطرافه، وتمركز في بؤرتي توتر رئيسيتين: الأولى في الشرق، حيث كان الضغط العثماني يتزايد يوماً بعد يوم على القسطنطينية. والثانية في الغرب، حيث كان الضغط المسيحي من أراغون وقشتالة يهدف إلى إسقاط غرناطة في الأندلس.

الصراع التجاري: كان الصراع الاقتصادي لا يقل أهمية. فالطريق التجاري الرئيسي الذي ينقل البضائع الثمينة كالتوابل من الهند إلى أوروبا كان تحت سيطرة شبه كاملة لدولة المماليك. كانت البضائع تُنقل بحراً إلى موانئ البحر الأحمر الخاضعة لهم، ثم براً إلى أنحاء العالم الإسلامي ومنها إلى أوروبا. هذا الاحتكار مكّن المماليك من فرض ضرائب باهظة، مما جعل البضائع تصل إلى أوروبا بأسعار فلكية، وهو وضع كان، بكل بساطة، لا يعجب الأوروبيين.

لم يكن هذا هو الطريق الوحيد، فقد كانت هناك طرق ثانوية. أحدها يمر عبر آسيا الوسطى إلى البحر الأسود ومنه إلى أوروبا عبر المضائق التي تسيطر عليها الدولة البيزنطية. والآخر كان ينقل تجارة غرب أفريقيا عبر الصحراء إلى أراضي الدولة المرينية في المغرب ومنها إلى أوروبا. لكن حتى هذه الطرق كانت تحت سيطرة إسلامية أو بيزنطية ضعيفة.

نقطة التحول سقوط القسطنطينية: في عام 1453، وقع حدث غيّر كل شيء. نجح السلطان العثماني الشاب محمد الفاتح في فتح القسطنطينية والقضاء على الإمبراطورية البيزنطية إلى الأبد. كانت تلك ضربة قاصمة هزت أركان العالم المسيحي، وتردد صداها من روما إلى لندن، وكان لها أثران مدمران:

  1. ضربة معنوية وسياسية: أحدث السقوط صدمة هائلة في أوروبا، وأثار مخاوف حقيقية من غزو عثماني شامل قد لا يتوقف إلا عند أبواب روما نفسها.
  2. حصار اقتصادي خانق: بسقوط القسطنطينية، سيطر العثمانيون على الطريق التجاري الثانوي الذي كان يمر عبرها. وهذا يعني أن المسلمين أصبحوا يسيطرون بالكامل على كل الطرق البرية والبحرية المؤدية إلى الشرق. لقد أُغلق آخر باب غير مملوكي، وأصبحت أوروبا في حصار اقتصادي شبه كامل.

رد فعل أوروبا: البحث اليائس عن مخرج

محاصرةً ومنهكة، وجدت أوروبا نفسها عند مفترق طرق. فمع استحالة استعادة القسطنطينية عسكرياً، كان لا بد من تحويل الهزيمة في الشرق إلى نصر رمزي في الغرب. وفي ظل استحالة السيطرة على الطرق التجارية القائمة، كان لا بد من إيجاد طريق جديد تماماً. تحركت أوروبا في اتجاهين:

  1. سياسياً: قررت تركيز جهودها وطاقتها على الجبهة الغربية، ودعمت حملة إسقاط غرناطة واستعادة الأندلس بالكامل، ليكون ذلك انتصاراً رمزياً يعوّض عن مرارة هزيمتها في الشرق.
  2. اقتصادياً: بدأت رحلة البحث المحمومة عن طريق بحري جديد بالكامل إلى الهند، طريق يتجاوز العالم الإسلامي برمته.

مغامرة البرتغال: رواد الاستكشاف البحري

ولكن لماذا البرتغال تحديداً؟ ما الذي جعل هذه المملكة الصغيرة على طرف أوروبا هي رائدة هذا السباق المحموم؟ كانت البرتغال المرشح الأقوى لعدة أسباب متكاملة. فموقعها الجغرافي على المحيط الأطلسي جعلها بوابة أوروبا نحو المجهول، وهو ما تطلب منها بناء أسطول بحري قوي. كما أن تأسيسها على أراضٍ تم استردادها من المسلمين منحها دافعاً دينياً قوياً. والأهم من كل ذلك، أنها كانت تتمتع باستقرار سياسي نسبي، فعلى عكس جارتيها أراغون وقشتالة، لم تكن البرتغال غارقة في حرب برية استنزافية ضد غرناطة، مما سمح لها بتركيز مواردها على البحر.

كان العقل المدبر وراء هذه الحركة هو الأمير هنري الملاح، الأمير صاحب الرؤية الذي تجرأ على النظر جنوباً حين كانت كل الأنظار تتجه شرقاً. لم تكن دوافعه تجارية بحتة، بل كانت رؤية ثلاثية الأبعاد: إيجاد طريق تجاري إلى غرب أفريقيا، والبحث عن حلفاء مسيحيين محتملين في القارة السمراء، ونشر الكاثوليكية بين الشعوب غير المسلمة.

بدأت الحملات البرتغالية عام 1418، وتوغلت تدريجياً جنوباً على طول الساحل الأفريقي. وفي عام 1444، اكتشفوا جزر الرأس الأخضر، التي أصبحت قاعدة إمداد استراتيجية لسفنهم. ثم جاءت “معاهدة ألكاسوفاس” عام 1479، التي أنهت حرباً مع قشتالة وأثبتت تفوق البرتغال البحري، ومنحتها حقاً قانونياً في امتلاك أي أراضٍ تكتشفها مستقبلاً في المحيط الأطلسي. وبلغت هذه الجهود ذروتها عام 1488، عندما وصل البحار بارثولوميو دياز إلى رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب أفريقيا، ليصبح البرتغاليون على بعد خطوة واحدة من تحقيق حلمهم بالوصول إلى الهند.

الحالم العنيد: ظهور كريستوفر كولومبوس

وفي الوقت الذي كانت فيه سفن البرتغال على وشك أن تدور حول أفريقيا لتحتضن ثروات الهند، كان بحار مغمور من جنوة يعد العدة لطرق باب التاريخ بفكرة بدت للجميع ضرباً من الجنون. هذا البحار هو كريستوفر كولومبوس، الذي كان يحمل نظرية بسيطة وجريئة: بما أن الأرض كروية، فإن أقصر طريق للوصول إلى الشرق ليس بالدوران حول أفريقيا، بل بالإبحار غرباً مباشرة.

لكن رحلته لإقناع العالم بفكرته لم تكن سهلة. عرضها على ملك البرتغال، الذي رفضها بثقة، فهو يرى طريق أفريقيا مضموناً ووشيك النجاح. ثم عرضها على الملك فرديناند والملكة إيزابيلا ملوك قشتالة، فرفضاها أيضاً لانشغالهما بالحرب ضد غرناطة. حتى أنه أرسل شقيقه إلى إنجلترا لعرض الفكرة على الملك هنري السابع، الذي لم يهتم بها هو الآخر.

جاءت نقطة التحول في يناير 1492، عندما نجح فرديناند وإيزابيلا في إسقاط مملكة غرناطة. بعد انتهاء “حربهم المقدسة” التي دامت لقرون، تفرغوا أخيراً لبناء دولتهم. نظروا إلى جارتهم الثرية البرتغال، وأدركوا أن سر قوتها يكمن في استكشافاتها البحرية وتجارتها العالمية. هنا، أعادوا النظر في عرض كولومبوس، ليس كحلم مجنون، بل كضربة جيوسياسية محسوبة؛ مغامرة منخفضة المخاطر وعالية المكاسب قد تمنحهم التفوق على البرتغال دفعة واحدة.

وافق الملوك على شروط كولومبوس الصعبة، والتي تم توثيقها في “اتفاقيات سانتا في”. تضمنت الشروط تزويده بثلاث سفن بتمويل كامل من الدولة، ومنحه لقب “نائب الملك” على أي أراضٍ يكتشفها، بالإضافة إلى 10% من أرباح أي تجارة تتم مع تلك الأراضي.

الخاتمة: بداية فصل جديد في تاريخ العالم

وهكذا، نرى أن رحلة كولومبوس لم تكن مجرد مغامرة فردية، بل كانت النتيجة الحتمية لعاصفة من الضغوط السياسية والدينية والاقتصادية التي عصفت بعالم القرن الخامس عشر. الحصار الاقتصادي الإسلامي، والخوف من التوسع العثماني، والمنافسة الشرسة بين قوى أيبيريا، كلها عوامل اجتمعت لتدفع بثلاث سفن صغيرة نحو المجهول.

في أغسطس 1492، انطلقت سفن كولومبوس الثلاث من السواحل القشتالية غرباً، في رحلة لم تكن لتكتشف طريقاً جديداً إلى الهند، بل لتصطدم بعالم جديد تماماً، وتغير تاريخ البشرية إلى الأبد. في المقال القادم، سنبحر مع كولومبوس في رحلته التاريخية التي فتحت فصلاً جديداً في قصة العالم.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00
Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.